قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة
اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك وتقرأه وقتما تحبتنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: ما تبقى لدي
الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: رانيا الخولي
الفصل: التاسع عشر
تم النشر: يوم الثلاثاء
30/6/2026
تحت شمس الصعيد التي بدأت تشتد، وفي قلب "النجع" حيث تتعالى أصوات العمال في المكان كان تميم يقف وسطهم يتابع سير العمل بجدية لكن قلبه كان في مكان آخر تماماً، كان لا يزال عالقاً عند تلك النظرة في عيني نادين قبل خروجه.
شعر برغبة عارمة في سماع صوتها رغبة لم يستطع مقاومتها رغم وجود والده على مقربة منه
تسلل تميم بهدوء بعيداً عن ضجيج الآلات العمال واحتمى بظل شجرة قديمة وأخرج هاتفه وضغط على رقمها.
في السرايا كانت نادين غارقة في نوم عميق وهادئ حتى أيقظها رنين هاتفها، مدت يدها بتثاقل وأجابت بصوت يكسوه النعاس والرقة
_أهلاً تميم لماذا تتصل الآن؟
ابتسم تميم تلقائياً بمجرد سماع صوتها المبحوح من أثر النوم وهمس بنبرة دافئة
_مفيش حاچة واصل بس جولت أطمن الظاهر إني صحيتك من النوم.
اعتدلت نادين في فراشها ومسحت وجهها بيدها وهي تبتسم بخجل
_نعم يبدو أنني أصبحت كسولة جداً منذ أن أتيت إلى هنا، هواء الصعيد يغري بالنوم الطويل.
ضحك تميم بخفة وعيناه تراقب والده من بعيد
_الكسل ده هو اللي محليكي في نظري كأنك زهرة بتفتح على مهلها.
شعرت نادين بالخجل من غزله الذي يبوح به لأول مرة وكأنه إنسان آخر غير ذلك المتحجر الذي عرفته في البداية
فقررت تغيير حديثه
_هل صاحب العمل تركك تتحدث في الهاتف هكذا؟ ألن يغضب عليك لأنك تترك العمال وتتحدث معي؟
التفت تميم ونظر إلى والده الذي كان يقف بعيداً عند طرف الأرض ممسكاً بهاتفه هو الآخر وعلى وجهه ابتسامة وقورة ونادرة وهو يتحدث بتركيز
فقال بمرح
_صاحب العمل مش واخد باله واصل ولا العمال واخدين بالهم لإن الكبير بنفسه ناسي الأرض وناسي العمال وعمال يكلم الست نغم ويتمشى بعيد هي چت عليا أنا يعني؟
اتسعت ابتسامة نادين وقالت بهزار
_حقاً؟ عمي جاسر يفعل ذلك أيضاً؟ ألن يغضب إذا رآك؟
رد تميم بنبرة يملؤها العشق والثقة
_يغضب كيف وهو بيعمل نفس اللي بعمله؟ إحنا عيلة جلوبها خضرة يا نادين، هو بيچدد شبابه مع ست الكل وأنا ببني حياتي مع ست البنات.
صمتت نادين للحظة وشعرت بقلبها يدق بقوة ثم همست
_تميم... شكراً لأنك اتصلت صوتك جعل يومي يبدأ بشكل أجمل.
أغمض تميم عينيه واستنشق الهواء وكأنه يستنشق عطرها
_يومك هو يومي يا نادين ارتاحي دلوجت، وأنا هخلص وأرچعلك خلي بالك من نفسك.
أغلقت نادين الهاتف وهي تشعر بأن الغرفة امتلأت بنور الشمس حتى والستائر مغلقة
أما تميم فقد عاد إلى العمال بخطوات واثقة ووجه مشرق لدرجة أن جاسر عندما رآه غمز له بعينه غمزاً خفياً وكأنه يقول له "فهمتك يا ابن جاسر... القلوب عند بعضها".
❈-❈-❈
كان القصر يضج بالحركة والنشاط بينما كانت نغم تجلس مع نادين وحنين وتاليا يختارون ملابس الزفاف
نظرت نغم لنادين بابتسامة صافية وقالت بنبرة حماسية
_ يا نادين لازم نختار لك فستان فرح يليق بيكي، المرة اللي فاتت كان الفستان مجرد قماش لكن المرة دي الفرحة فرحتين فرحة إنك بتلبسيه لأول مرة بجد، وفرحة إن ربنا عوضك بتميم وبالعيلة اللي بتحبك.
شعرت نادين بالحيرة فقالت لنغم
_دعيني أخبر تميم أولاً
_اكيد طبعاً.
استأذنت واتصلت بتميم الذي كان في عمله قالت له بصوتها الرقيق المصبوغ بالقلق
_ تميم والدتك نغم تصر أن أشتري فستان زفاف جديداً وأنا أشعر أن هذا سيكون مكلفاً جداً ولا داعي له، فستاني القديم ما زال موجوداً.
ضحك تميم من الطرف الآخر وجاء صوته دافئاً يطمئن قلبها
_ ماتشغليش نفسك بأي حاجة يا نادين المهم تكوني مبسوطة اختاري أحلى وأغلى فستان في الدنيا لأن المرة دي هيكون فرحنا بجد وجوازنا بجد أنا عايز أشوفك أجمل عروسة شفتها عيني.
رمشت بعينيها بوجل ولم تسمع ما قاله بعد ذلك، أغلقت الهاتف وسرحت في كلمته "جوازنا بجد"
شعرت برعشة تسري في جسدها؛ فقلبها بدأ يميل له فعلاً، لكن الخوف المبهم من فكرة الارتباط الكامل وتكوين أسرة لا يزال يطاردها
هل هي مستعدة لتكون زوجة حقيقية لتميم؟ هل يمكنها أن تنسى مرارة الماضي وتفتح صفحة جديدة تماماً؟
لاحظت نغم شرود نادين المفاجئ وتغير ملامحها فطلبت من تاليا وحنين تركهما بمفردهما جلست بجوار نادين وربتت على يدها بحنان
_مالك يا نادين؟ في إيه يا بنتي؟ شكلك مش مبسوطة بالكلام عن الفرح.
حاولت نادين التهرب لكن نظرات نغم الأمومية جعلتها تضعف وتعترف بصدق
_أنا خائفة… تميم يريد أن يكون زواجنا حقيقياً هذه المرة وأنا.. أنا لست مستعدة بعد أشعر بمسؤولية كبيرة وأخاف أن أخذله أو أكتشف أنني لا أصلح لهذه الحياة.
ابتسمت نغم وضمتها لصدرها بحنان يذيب الجليد
_اهدي يا حبيبتي.. تميم ابني وأنا عارفاه كويس هو بيحبك ومستعد يستناكي العمر كله لحد ما تطمني وبعدين إنتي مش لوحدك، إحنا كلنا جانبك، إنتي مش غريبة عننا يا نادين إنتي واحدة من العيلة، دمك من دمنا تميم راجل وسند وعمره ما هيضغط عليكي في حاجة إنتي مش عاوزاها عيشي الفرحة يا بنتي وسيبي بكرة للي خلقه.
بدأت كلمات نغم تتسلل لقلب نادين كالترياق وشعرت بأن ثقل الجبال قد انزاح عن صدرها نظرت لنغم بامتنان وقالت بصوت خفيض
_شكراً لكِ.. كلماتكِ جعلتني أتنفس أخيراً سأحاول أن أكون سعيدة من أجل تميم ومن أجلكم.
عادت الابتسامة لوجه نادين وبدأت تقلب في صور الفساتين بعينين يملؤهما الأمل لأول مرة، مدركة أن الفستان الأبيض هذه المرة لن يكون كفناً لذكرياتها بل سيكون ثوباً لميلادها الجديد.
❈-❈-❈
في ركن هادئ من حديقة السرايا كانت الفتيات يجلسن تحت ظلال الأشجار، بدأت حنين تسرد جانباً من ماضيها وعيناها تلمعان ببريق الامتنان
_أنا عشت عمري كله ماليش غير أمي.. أبويا مات وأنا لسه صغيرة وأمي رفضت تتجوز تماماً رغم إنها كانت لسه صغيرة وجميلة، وهبت حياتها كلها ليا
كنت بخاف من فكرة الجواز، بخاف إن اللي هتجوزه يحرمني منها أو يخليني أقصر في حقها لحد ما جه يامن.. يامن مكنش بس زوج ده كان عوض ربنا ليا، هو اللي أصر إن ماما تكون معانا في كل خطوة وقالي إن بيته هو بيتها.
كانت ليال تستمع بإعجاب بينما شعرت نادين بغصة تخنق أنفاسها
كلمات حنين عن تضحية الأم كانت كالملح الذي يرش على جرح نازف في روحها
تذكرت نادين أمها التي لم تعرف عنها سوى أنها اختارت حياتها الخاصة، وتخلت عنها وهي طفلة رضيعة دون أن تلتفت خلفها أو تسأل عنها يوماً.
تمتمت نادين بصوت مخنوق بالفصحى
_ما أجمل أن يجد الإنسان قلباً يضحي لأجله.. الأم هي الملاذ وحين ينهار هذا الملاذ نصبح عرايا أمام ريح الحياة.
شعرت نادين أن الدموع بدأت تغالبها وأن قناع الثبات الذي ترتديه يكاد يسقط أمام رقة حديث حنين، وقفت فجأة وقالت باضطراب
_اعذروني.. أشعر بضيق طفيف سأتمشى قليلاً في أرجاء الحديقة لأستنشق بعض الهواء.
انسحبت نادين بسرعة قبل أن يلحظوا دموعها ومشيت بخطوات تائهة بين ممرات الحديقة الواسعة تحاول الهروب من ذكرياتها التي تطاردها، وجدت نفسها، دون وعي تتجه نحو الإسطبلات حيث يسود الهدوء ورائحة الخيل الأصيلة.
وصلت إلى مقصورة "ركان" ذلك الحصان الأسود المهيب الذي يملكه تميم
وقفت أمام القضبان ونظرت إلى عينيه الواسعتين اللتين بدتا وكأنهما تفهمان وجعها مد ركان رأسه نحوها وأصدر صهيلاً خافضاً وكأنه يواسيها، وضعت نادين يدها المرتجفة على جبهته وأسندت رأسها عليه وانفجرت في بكاء صامت ومرير باحثة عن الأمان في كنف هذا الكائن الذي لا يعرف الغدر، بعيداً عن عالم البشر الذي لم يمنحها سوى الخذلان.
بينما كانت نادين تسند رأسها على "ركان" وتغرق في بكائها الصامت سمعت صوتاً مألوفاً يناديها بنبرة يملؤها القلق
_ نادين..؟
التفتت بسرعة لتجد تميم يقف خلفها وقد بدت على وجهه علامات الفزع حين رأى دموعها المنهمرة
تقدم نحوها بخطوات سريعة وسألها بلهفة
_مالك يا حبيبتي؟ فيه إيه؟ حد ضايقك؟
لم تجد نادين كلمات تسعفها ولم تستطع مقاومة احتياجها الشديد لحضنه في تلك اللحظة، ارتمت بين ذراعيه وانفجرت في بكاء مرير وكأنها وجدت أخيراً المرفأ الذي كانت تبحث عنه
لم يسألها تميم عن السبب بل ضمها بقوة وربت على ظهرها بحنان تاركاً إياها تفرغ كل ما في جعبتها من وجع حتى بدأت أنفاسها تهدأ تدريجياً.
ابعدها عنه قليلاً وهو يمسح دموعها فسألها تميم بهدوء وهو ينظر في عينيها
_مالك يا نادين ؟ إيه اللي وصلك للحالة دي؟
حاولت نادين أن تبتسم لتطمئنه فهي لا تريد إفساد فرحته باستعدادات زفافهما وقالت
_لا شيء يا تميم.. فقط تمنيت لو كان والدي معي في هذه اللحظات.
ابتسم تميم بحنو وقال بمزاح ليخفف عنها
_ ليه بس يا نادين؟ هو الحاج جاسر مقصر معاكي في حاجة؟ ده بيعتبرك بنته الغالية.
أجابت بنبرة حزينة
_ هو أصبح أباً لي بالفعل وعوضني عن الكثير.. لكن كان والدي سيكون سعيداً بي جداً أريد فقط أن أخبره بأنني بخير وأن يطمئن علي أينما كان.
أمسك تميم وجهها بين كفيه وقال بصدق
_ اطمني يا نادين الميت بيحس بأهله في فرحهم وحزنهم وأبوكي أكيد شايفك دلوقتي وسعيد بيكي وبفرحتك، هو في مكان أحسن بكتير ودعواته ليكي هي اللي حامياكي.
ثم حاول تغيير الأجواء تماماً فنظر إلى "ركان" وقال بمزاح
_ وبعدين ينفع كدة؟ علقتي ركان هو كمان بيكي؟ ده مبيسمحش لحد يقرب منه كدة واصل، حتى أنا ساعات بيتنك عليا.
ضحكت نادين بخفة وقالت وهي تداعب غرة الحصان
ـ لقد اندهشت حقاً عندما وجدته هادئاً هكذا.. لم ينفر مني كالسابق وكأنه شعر بما يمر به قلبي.
ابتسم تميم وهو ينظر داخل عينيها الزجاجية والتي مازالت مليئة بالألم الذي أقسم ان يمحيه من بريقها
رفع وجهها إليه وهو يقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما وهمس بصوت يملؤه العشق:
_ركان بيعرف القلوب الطيبة يا نادين.. وعارف إنك بقيتي صاحبة المكان، وصاحبة قلبي أنا كمان.
تلاقت نظراتهما في لحظة سحرية تحت سقف الإسطبل الهادئ
وسألته بحيرة
_لما احببتني يا تميم، ما الذي جعلك تربط حياتك بأمرأة بائسة مثلي.
رفع انامله ليضعها على وجنتها يتلمسها وقال بحب
_اللي خلاني أحبك واتعلق بيكي كدة هو قوتك وصمود رغم الصعوبات اللي مريتي بيها، حبيت قلبك اللي مقدرش يقبل بالكره جواه، حبيتك طيبتك اللي كل ما تربيها على القسوة كل ما تزدادي طيبة وحنان، مفيش اي سبب يخليني محبكيش.
تاه في عينيها
وشعرت نادين بحبه يحيط بها من كل جانب، فاستسلمت لجاذبيته وهي تغلق عينيها ببطء عندما اقترب تميم منها برقة متناهية وطبع قبلة طويلة ودافئة على شفتيها، قبلة كانت بمثابة عهد جديد بالأمان والحب الذي لا ينتهي، استسلمت نادين لقبلته وشعرت لأول مرة أن كل أوجاع الماضي قد تلاشت أمام حرارة هذا العشق الذي أعاد لها الحياة.
بعد فترة لم يشعر احد منهم كم عددها ابتعد عنها تميم وعدل الحجاب حول وجهها وقال بحب
_ارجعي للبنات وانا عندي مشوار مهم هخلصه وارجعلك.
اومات له بخجل وتركته ينظر في اثرها وعلى شفتيه ابتسامة عريضة حتى دلفت للداخل..
❈-❈-❈
دخلت نادين المكتب بخطوات هادئة يملؤها الترقب لتجد جاسر يجلس بوقاره المعهود وأمامه مجموعة من الأوراق الرسمية المنظمة بعناية
أشار لها بالجلوس ثم دفع الأوراق نحوها بهدوء
_ اقعدي يا نادين شوفي الأوراق دي
دي عقود ملكية مستنية إمضاءك عشان تروح الشهر العقاري وتتسجل باسمك بكرة الصبح.
نظرت نادين للأوراق بذهول واتسعت عيناها وهي تقرأ الأرقام والمساحات ثم رفعت رأسها وسألته بنبرة يملؤها الاستغراب
_ ما هذا يا عمي؟ أنا لم أطلب شيئاً من هذا ولم آتي إلى هنا لأخذ أموال أو أراضي.
ابتسم جاسر ابتسامة أب حكيم وأجابها بصوت رخيم يبعث على الطمأنينة
_ مش لازم تطلبي يا بنتي.. ده حقك الشرعي وحق والدك الله يرحمه والأصول بتقول إن الحق يرجع لأصحابه من غير طلب
دي أمانة كانت في رقبتي، والنهاردة جه الوقت اللي أرتاح فيه من شيلها.
انهمرت الدموع من عيني نادين وشعرت بخجل شديد يمزق قلبها وقالت بصوت متهدج
_ أنا آسفة يا عمي.. بجد آسفة إني فكرت في يوم من الأيام إني ممكن أؤذيك أو أرد لك الجميل بالشر
كنت عمياء بالحقد والفقر، ولم أكن أعرف معدنك الأصيل.
قام جاسر من مكانه واقترب منها ليربت على كتفها بحنان
_ نادين.. أنا أول ما عرفت إن جواز سفرك مزور مفكرتش لحظة إني أذيكي أو أبلغ عنك حتى قبل ما أعرف إنك بنت أخويا فايز تعرفي ليه؟ لأني شوفت في عينيكي طيبة نادرة، والناس اللي طيبتهم بتظهر في عينيهم مستحيل يكسروا حد أو يغدروا بيه، حتى لو حاولوا يقنعوا نفسهم بالعكس.
مسحت نادين دموعها فأكمل جاسر وهو يشير لعقد محدد
_ أنا كتبت لك "البيت الكبير" باسمك لوحدك.. البيت ده هو أصل العيلة، وعماتك شروق وزينة رافضين يدخلوه تاني من وقت المشاكل القديمة، وكل حاجة دلوقت اتقسمت بالعدل ما بينكم.
شهقت نادين بدهشة وتردد صدى الكلمة في أذنيها
_ عماتي؟ شروق وزينة؟ هل لي عمات أحياء؟
أومأ جاسر برأسه بابتسامة عريضة
_ أيوه يا بنتي.. وهما عرفوا كل حاجة وأصروا ينزلوا من مصر عشان يحضروا فرحك ويشوفوا بنت أخوهم الغالي، البيت ده هيرجع يتملي بيكي وبيهم، والماضي خلاص اندفن تحت تراب العدل والمحبة.
شعرت نادين في تلك اللحظة بأن جدران المكتب تتسع وأن الخوف الذي سكن روحها لسنوات قد تبخر وحل محله شعور طاغي بالأمان، لم تعد نادين الغريبة التائهة، بل أصبحت نادين التهامي صاحبة الحق والأرض والعائلة والابنة التي استعادها حضن الوطن بعد طول غياب.
❈-❈-❈
كانت أجواء القصر تضج بالبخور والتهليلات بينما كان تميم يقف في غرفته بكامل أناقته ووقاره ونادين أمامه بملامحها الرقيقة التي استعادت نضارتها نظرت إليه بحيرة وسألته بصوتها العذب
_ تميم.. لماذا سنكتب الكتاب مرةً ثانية؟ ألسنا متزوجين بالفعل؟
ابتسم تميم واقترب منها وأمسك يدها برفق وهو يشرح لها بحكمة
_ المرة اللي فاتت يا نادين الجواز كان باسم مزيف في الأوراق الرسمية وده قانوناً فيه لغط كبير، النهاردة هنكتب كتابنا باسمك الحقيقي، نادين فايز التهامي عشان يكون ميثاق غليظ وصحيح قدام ربنا وقدام الناس.. النهاردة إنتي مراتي بجد وبكل فخر.
صمت تميم للحظة وتأمل وجهها بعمق، ثم قال بنبرة يملؤها الإعجاب
_ بس تعرفي إيه أحلى حاجة شوفتها فيكي النهاردة؟
سألته بعينيها اللتين تلمعان بالفضول، فأجابها بهمس
_ نظرة الخوف اللي كانت مسيطرة عليكي اختفت تماماً.. عيونك النهاردة فيها سكينة وأمان مكنتش موجودة قبل كدة وده عندي بالدنيا كلها.
خجلت نادين وحاولت أن تشيح بوجهها بعيداً عنه لكن تميم وضع يده على ذقنها برفق وجعلها تنظر إليه مباشرة، وقال بنبرة حازمة ومحبة في آن واحد
_ أوعي تهربي بعيونك من عيني يا نادين.. خلي عيونك ديماً كتاب مفتوح قدامي، أنا مش بحب اللي يداري عليا حاجة وعايز أكون شريكك في كل فكرة وكل إحساس، حتى لو كان بسيط.
أومأت نادين برأسها ووعدته بصدق أن تظل صريحة معه للأبد
ثم حاول تميم تغيير مجرى الحديث بمداعبة ماكرة
_ طيب وفستان الفرح فينه؟ أنا عايز أشوفه دلوقت مش قادر أستنى لبكرة.
عاشت نادين اللحظة بمرح لم تعهده، وقالت بلهجتها الفصحى
_ لا يمكن يا تميم.. يقولون إن رؤية العريس للفستان قبل الزفاف "فأل سيء" ولن أخاطر بسعادتنا من أجل فضولك.
ضحك تميم وقال بمكر
_ مش عيب الكلام ده يتقال لشيخ زيي؟ إحنا بتوع يقين مش بتوع فأل وحظ.. اللي أعرفه إني لازم أشوفه وأقول رأيي فيه قبل ما تلبسيه، ولا أقولك.. خلينا نعمل "بروفة" دلوقت ونشوف الجمال ده هيوصل لفين.
هزت نادين رأسها بيأس مصطنع من إصراره ومداعبته وقالت وهي تتراجع نحو الباب
_لن أفعل سأذهب الآن.. الجميع بانتظاري في الأسفل ولا يمكنني التأخر أكثر من ذلك.
قال تميم بلهفة وهو يحاول الإمساك بيدها
_ رايحة فين؟ مينفعش تسيبيني كدة في نص الكلام.
لكن نادين كانت أسرع منه فجرت نحو الباب وخرجت وهي تضحك بخفة، تاركة خلفها عطراً يملأ الغرفة وصدى ضحكة أعادت لتميم روحه، وشعوراً طاغياً بأن هذا اليوم هو البداية الحقيقية لحياة لم يكن يحلم بمثل جمالها.
❈-❈-❈
في الغرفة الصغيرة بالملحق كانت حنين تتأمل بامتنان قطع الملابس والمستلزمات التي اشترتها بينما كانت والدتها تنظر إليها برضى
_مش عارفة يا ماما اقولك ايه بجد متشكرة اوي.
وضعت والدتها يدها على كتفها بحنان
_كان لازم جهازك يكون من شقانا.. أنا شيلت لك قطعة الأرض اللي ورثتها عن أبويا الله يرحمه ليوم زي ده، وخالك الله يكلمه حافظ عليها كل السنين دي
أول ما قولتلها اشتراها وبعت تمنها وزيادة هدية لجوازك مش عايزة حد يقول إن هما اللي جابوا لبنتي كل حاجة من عندهم.
قبلت حنين رأس والدتها بدموع تلمع في عينيها
_ربنا يخليكي ليا يا أمي بجد شيلتي عني حمل كبير كان صعب عليا أوي أدخل بيتهم وإيدي فاضية.
قطع هذه اللحظة رنين هاتف حنين وكان المتصل يامن أجابت بلهفة وقلق طفيف فطلب منها الخروج للحديث في الحديقة خرجت لتجده واقفاً أمام الملحق وعيناه تحملان نظرة جادة ومحبة في آن واحد.
_خير يا يامن قلقتني.
اشار لها بالجلوس
وجلس يامن قبالتها وبدأ حديثه بنبرة يملؤها الصدق والوضوح
_حنين أنا مكنتش عايز أتكلم في الموضوع ده غير وإحنا لوحدنا إنتي عارفة طبيعة شغلي وإني بقضي أغلب وقتي في القاهرة بعيد عن هنا، بس في حاجة لازم تعرفيها، أنا مقدرش أبعد عن أهلي ولا أقدر أتخيل حياتي بعيد عن البيت الكبير.
اعتدل يامن في جلسته وتابع بقوة
_لو استقرينا في القاهرة هبقى مشتت بين شغلي وبين رغبتي إني أكون جانب والدي ووالدتي في كل لحظة فراغ أنا عايزك تكوني هنا وسط أهلي تكوني السند ليهم في غيابي والروح اللي بتجمعنا كلنا لما أرجع، مش عايز الجواز يبعدني عن جذوري بل بالعكس عايزك إنتي اللي تثبتيني فيها أكتر.
ابتسمت حنين بوقار وأظهرت تفهماً أدهش يامن وقالت بنبرة واثقة
_يامن أنا كمان كنت بفكر في نفس النقطة المستشفى اللي والدك بيجهزها هنا في النجع هتكون هي مشروعي وعمري كله المستشفى دي في بدايتها محتاجة مجهود جبار وخصوصاً إنها مستشفى خيرية مدعمة لخدمة الغلابة اللي ملهومش حد، وجودي هنا مش بس عشان أهلك لكن عشان رسالتي كدكتورة بدأت طريقها من الأرض دي.
لمعت عينا يامن بالإعجاب وشعر بأن قلبه قد اختار المرفأ الصحيح
_تعرفي يا حنين في اللحظة دي بالذات عرفت انا مترددتش ثانية واحدة لما اخترتك تكوني شريكة حياتي إنتي مش بس زوجة إنتي إنسانة أصيلة بتفهم معنى العيلة ومعنى الواجب قبل ما تفكر في راحتها الشخصية.
أمسك يامن يدها بوقار وكأنه يبرم عهداً مقدساً
_وعد مني يا حنين زي ما إنتي هتكوني السند لأهلي في غيابي هكون أنا السند ليكي في حلمك وفي كل شيء، إحنا مش بنبني بيت بس إحنا بنبني حياة ليها قيمة وأثر في المكان اللي اتربينا فيه.
ساد صمت جميل بينهما صمت يحمل في طياته وعوداً بمستقبل مستقر مبني على الاحترام المتبادل وتقدير الجذور بعيداً عن زيف المظاهر وصخب المدن الكبرى.
❈-❈-❈
كانت نادين تجلس بتركيز شديد تمسك القلم وكأنها تمسك سلاحاً وتحاول جاهدة أن تخط اسمها باللغة العربية على ورقة بيضاء أمامها
كان تميم يجلس بجوارها يراقب حركة يدها بصبر وهدوء قبل أن يتنهد بابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى النتيجة:
_لا يا نادين هنعيد تاني، الحروف لسه مش مظبوطة والخط محتاج تعديل.
نفخت نادين بضيق طفولي وقالت بلهجتها الفصحى الرقيقة
_أليست هكذا جميلة؟ لقد بذلت جهداً كبيراً في رسم هذه الحروف المعقدة.
ضحك تميم وهز رأسه برفض مداعب
_جميلة إيه بس؟ ده خط وحش أوي يعني لو مضيتي على قسيمة جوازنا بالشكل ده اللي هيشوفها هيقول إني متجوز طفلة في كي جي وانها لسه بتتعلم تمسك القلم.
فجأة انطلقت ضحكة صافية من أعماق نادين ضحكة لم تكن مجرد ابتسامة باهتة أو مجاملة بل كانت ضحكة حقيقية هزت كيان تميم
تجمد تميم في مكانه وسرح في ملامحها التي أشرقت فجأة، وكأن الشمس قد طلعت في منتصف الليل، كانت هذه أول مرة يسمع فيها صوت ضحكتها الصادقة منذ دخولها القصر
انتبهت نادين لنظراته الثاقبة فتوقفت عن الضحك وسألته بخجل
_لماذا تنظر إلي هكذا؟
أجابها تميم بصوت يملؤه الشجن والإعجاب
_لأني أول مرة أسمعك بتضحكي بجد يا نادين ضحكتك دي أجمل من كل الحروف اللي بنحاول نكتبها.
لمح تميم طيف الحزن وهو يحاول العودة لعينيها فاستدرك بمرح ليطرد ذلك الشبح
_إيه؟ هنرجع نسرح تاني في الأحزان؟ الورقة لسه مستنية الاسم الكامل.
ابتسمت نادين ولأول مرة شعرت برغبة في البوح بما في صدرها فقالت بنبرة صادقة
_بعد أن دخلت حياتي يا تميم أشعر أنني لن أحزن ثانية لقد أعدت لي شعوراً ظننت أنه مات مع آدم.
وضع تميم يده برفق تحت ذقنها غير عابئ بتلك الغيرة الاي اقتحمته ورفع وجهها لتلتقي عيناه بعينيها في نظرة طويلة ومكثفة، وقال بعهد
_وأنا أوعدك يا نادين إني مش هخلي الحزن يعرف طريقك من تاني طول ما أنا عايش، هكون السد اللي بيمنع أي وجع يوصل لقلبك.
حاولت نادين الهروب من خجلها ومن نظراته التي تذيب حصونها فقالت بمداعبة وهي تحاول إبعاد يده
_وماذا ستفعل إن حاول الحزن الوصول؟ هل ستقتله؟
ابتسم تميم بمكر واقترب من أذنها ليهمس بصوت دافئ
_لا مش هقتله بس هخبيكي جوه قلبي وهقفل عليكي بميت قفل عشان مفيش أي حاجة في الدنيا تقدر تلمس شعرة منك.
في تلك اللحظة تلاشت كل الحواجز الجليدية بينهما ولم يعد هناك تميم الشيخ ونادين الغريبة بل كان هناك قلبان بدآ يعزفان لحناً واحداً وميثاق حب كتب بحروف الروح قبل أن يكتب بحروف الورق.
استكانت نادين لجلستها بجواره وشعرت بدفء جسده يحيط بها كدرع من طمأنينة، نظرت إلى ورقة بيضاء أخرى ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة خجولة وصوت يكاد يهمس من فرط الرقة
_تميم هل تسمح لي أن أحاول كتابة اسمك؟ أريد أن أخط حروفه بيدي لعلها تتعلم كيف تنطق الأمان الذي أشعر به معك.
خفق قلب تميم خفقة عنيفة كادت أن تسمع في صمت الغرفة، ونظر إليها بعينين تلمعان بمزيج من الشجن والعشق، مد يده ببطء وأمسك بيدها التي تقبض على القلم وبمكر محبب اقترب منها أكثر حتى تلاشت المسافات وقال بصوت دافئ
_طبعاً أسمح لك بس خلي بالك اسمي صعب أوي ومحتاج مجهود مضاعف وتركيز عالي، لازم تقربي شوية عشان أقدر أتحكم في حركة إيدك.
لم تعترض نادين بل استسلمت تماماً لجاذبيته
أسند تميم كتفها على كتفه وأحاط يدها بكفه العريضة وبدأ يحرك القلم معها ببطء شديد، في تلك اللحظة لم يكن تميم يرى الورقة ولا الحروف، كان مغيباً تماماً في رائحة عطرها التي تغلغلت في أنفاسه وفي خصلات شعرها الذهبية التي تمردت وراحت ترتاح على كتفه وكتفها، ممتزجة في لوحة فنية ساحرة.
كانت يده تخط اسم "ت م ي م" فوق الورقة لكن روحه كانت تكتب قصائد أخرى فوق نبضات قلبه، لاحظت نادين شروده الطويل وكيف أن عينه لم تكن تتابع القلم بل كانت غارقة في تفاصيل وجهها وشعرها فسألته بمداعبة رقيقة
_أين تنظر تميم؟ هل حروف اسمك موجودة على وجهي أم على الورقة؟
أفاق تميم من سحره وحاول استعادة وقاره المصطنع وقال بنبرة مهتزة قليلاً
_ها؟ معاكي طبعاً يا نادين، مركز في كل حرف بنكتبه.
ضحكت نادين ضحكة خافتة ومالت برأسها لتنظر في عينيه مباشرة وقالت بدلال لم تعهده من قبل
_لا لست معي يا تميم أنت في عالم آخر تماماً هل اسمك صعب لهذه الدرجة أم أن المعلم هو الذي يحتاج لدرس في التركيز؟
ترك تميم القلم ليسقط على الطاولة الصغيرة أمامهم ونحاها جانبًا والتفت إليها بكامل جسده محاصراً إياها بنظراته التي باتت تشتعل عشقاً، رفع يده وأزاح خصلة من شعرها خلف أذنها ثم همس بصوت رخيم يرتجف بالمشاعر
_أنا فعلاً في عالم تاني يا نادين عالم ملوش وجود غير في عيونك، الاسم سهل بس اللي بيحصل في قلبي وأنا قريب منك هو اللي محتاج مجهود مضاعف عشان أقدر أتحمله، إنتي مش بس بتكتبي اسمي على الورق إنتي بتغرسيه في روحي من جديد.
اقترب منها أكثر حتى شعرت بدفء أنفاسه يلفح وجهها وطبع قبلة رقيقة على جبينها وكأنه يختم ميثاقاً جديداً بينهما، في تلك اللحظة لم تعد الورقة تهم ولم تعد الحروف تعني شيئاً فقد كتبت الحكاية بأكملها في نظرة عين وضمة يد وقلبين وجدا أخيراً الملاذ الذي طال انتظاره.
❈-❈-❈
توقفت سيارة الأجرة عند مدخل النجع حيث يتجمع كبار السن والشباب في "المندرة" المفتوحة ترجل الشاب الغريب بمعطفه الداكن ونظراته الحادة التي تمسح المكان بدقة وكأنه يقرأ خريطة قديمة في عقله
ساد صمت مفاجئ بين الجالسين فملامح الغريب وهيبته لم تكن مألوفة لأهل النجع.
تقدم الشاب نحو مجموعة من الرجال وبصوت هادئ ورخيم يحمل نبرة واثقة سأل
_ السلام عليكم.. اريد أن اعرف الطريق إلى حد بيت صخر التهامي.
وقع الاسم كالصاعقة على آذان الحاضرين تبادل الرجال النظرات فاسم "صخر التهامي" لم ينطق في هذا النجع منذ سنوات طويلة، وارتبط دائماً بذكريات الدم والنزاع والآثار المنهوبة
تنحنح رجل مسن وقال بنبرة حذرة
_ وعليكم السلام يا ابني.. بس بيت صخر التهامي مهجور من سنين وصاحبه مات في سجنه وأهله اتفرقوا في البلاد إنت بتسأل عنه ليه؟ ومنين تعرف الاسم ده؟
لم تتغير ملامح الغريب بل ازداد غموضاً وهو يجيب
_ أنا غريب عن هنا ولدي أمانة أود أن أصلها لأهل البيت.
_يبقى مفيش غير بيت جاسر ولد اخوه
بس كلهم مشغول بكتب كتاب ولاده النهاردة، والكل هناك في الساحة.
لمعت عينا الغريب عند سماع كلمة "كتب كتاب" وتمتم بصوت خفيض لم يسمعه أحد
_ إذن.. لقد وصلت في الوقت المناسب تماماً.
شكرهم الغريب ببرود وتحرك بخطوات رزيناً نحو التلة تاركاً خلفه تساؤلات تنهش عقول أهل النجع؛ من هو هذا الرجل؟ وما هي الأمانة التي يحملها لبيت صخر التهامي؟ وهل جاء ليشارك في الفرح أم ليفسد ميثاق النور الذي بدأ يجمع شتات العائلة؟
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
اضغط زر "حفظ" بنهاية الفصل لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك المفضلة وتقرأها وقتما تحب
رواياتنا الحصرية كاملة
